|

بقلم دكتور : وائل محمد سارى
عندما أذكر اسم المهندس عبد المنعم الشحات فأنا لا أقصد الشخص بعينه و لكنى أقصد التيار
السلفى الذى يعتبر عبد المنعم الشحات أحد ممثليه فى مصر و الذى تناولته جميع وسائل الاعلام المرئى و المقروء و المسموع فى الآونة الأخيرة على ضوء تصريحاته التى اعتبرها البعض مثيرة للجدل و كانت بلا شك مادة دسمة للاعلام المصرى الذى كان فى السابق و مازال للأسف يتخلى عن الموضوعية فى مناقشة القضايا و يميل الى التهييج و الاثارة للرأى العام المصرى فمن شب على شىء شاب عليه
و بصرف النظر عن الاعلام و طريقة تناوله لمثل هذه القضايا فأنا أزعم أنى أملك رؤية مختلفة فى هذا الصدد و تحديدا ما يتعلق بالفكر السلفى – فكما نعلم و يعلم الكثير أن الفكر السلفى الاسلامى الذى نجله و نحترمه قد نشأ منذ أكثر من ثمانين عاما و نتذكر جيدا من علمائه الأجلاء الامام ابن عثيمين و الامام الشيخ الجليل ابن باز عليهما رحمة الله و غيرهم من رموز التيار السلفى
و السؤال هنا : هل تغير هذا الفكر فى الآونة الأخيرة و تحديدا فى مصر عندما قرر و لأول مرة فى تاريخه النزول الى الشارع و الخوض فى غمار السياسة و المشاركة بقوة فى الانتخابات البرلمانية المصرية أم أن المرحلة الراهنة التى تغيرت بتغير النظام قد فرضت عليه ذلك ؟
و الاجابة على هذا السؤال ستأتى فى السياق التالى
التيار السلفى فى السابق لم يشارك مطلقا فى الحياة السياسية فى مصر و لم يؤمن بالديمقراطية بمفهومها الحالى و كان دائما يركز على أمور العقيدة و العبادات و الفقه و الأحكام الفقهية فى الأمور الحياتية المختلفة التى قد يختلف أو يتفق البعض على مدى ترتيبها فى أولويات الخطاب الدينى مثل الغناء و التصوير و التماثيل و النقاب و الابداع الفنى و المسرح و السينما و التليفزيون و ما الى ذلك من تلك الأمور و كان كل ذلك داخل دور العبادة و هى المساجد و لم يسمع هذا الخطاب الا رواد هذه المساجد فقط دون غيرهم
أما ما حدث مؤخرا من ظهور بعض رموز الفكر السلفى فى وسائل الاعلام و لا سيما القنوات الفضائية و منهم المهندس عبد المنعم الشحات و حديثه عن بعض هذه الأمور مثل وصفه لروايات نجيب محفوظ بأنها شاذة و تدعو الى الانحلال و الرزيلة و عدم جواز تولى وزير قبطى أو رئيس وزراء قبطى أو رئيس جمهورية قبطى و أن الديمقراطية كفر و ما الى ذلك والأغلب أن المهندس الشحات قد نسى أنه لا يخاطب رواد مسجد فى لقاء دينى بل يخاطب الملايين من البشر داخل مصر و خارجها – نسى أنه يخاطب أفكار مختلفة و أيديولوجيات مختلفة – بل نسى أنه يخاطب أيضا أناس بسطاء قد يكونوا أميين و منهم متعلمين و لكن بلا فكر و بلا ايديولوجية – نسى أنه يخاطب ليبرالى و علمانى و يسارى و اسلامى لا ينتمى لتيار سياسى
فكانت الصدمة للمجتمع المصرى على سبيل الخصوص لأنه المعنى الأول بحديثه بصفته نائب محتمل فى برلمان تشريعى المفروض أنه سيمثل الشعب المصرى بكامل أطيافه
و أنا أظن أن الصدمة لم تكن فى مضمون ما طرحه من آراء و لكن كانت من لغة الخطاب نفسها التى خلت من أى حصافة سياسية و افتقرت لأى ذكاء سياسى فى التعاطى مع الاعلام الفضائى
ما أريد قوله هو أن المرحلة الحالية الحرجة التى تمر بها مصر الان و التى يتحالف فيها جحافل الليبراليين و العلمانيين و حتى الاعلاميين على كل ما هو اسلامى و ذلك لاخافة الشعب المصرى و بث الرعب فى نفوسهم من أن المشروع الاسلامى سيقيد حرياتهم و يجعل من مصر أفغانستان أخرى - يقتضى ذلك أن لغة الحوار و الخطاب الدينى لابد و أن تتغير بحيث يكون فيها طمأنة للشعب المصرى و أن تتمتع بمزيد من الحصافة السياسية و الذكاء فى التعاطى مع الاعلام المضلل الذى يحاول ليل نهار أن يتصيد الأخطاء لهذا التيار و هذه الحصافة السياسية تكون بدون افراط أو تفريط حتى يكتسب التيار الاسلامى ثقة الشعب و كما صوت له فى المرحلة الاولى يصوت له بنفس القوة فى باقى المراحل و لا ينقلب عليه بسبب القلق أو الخوف و يجب أن يكون هناك توافق وطنى و تحالف حتى مع بقية القوى الوطنية و كما قلت و أؤكد دونما افراط أو تفريط و هذا الكلام ليس فقط للتيار السلفى و لكن أيضا للاخوان الذين هم بالفعل أفضل بكثير فى لغة حوارهم و خطابهم المتوازن بحكم خبرتهم السياسية الطويلة على مدى سنوات مضت
و طالما ارتضى هذا الفصيل و أعنى التيار السلفى الخوض فى غمار السياسة و آمن بأن الاسلام دين و دولة و أن السياسة جزء لا يتجزأ من هذا الدين فعليه أن يعى جيدا أن هناك ما يسمى بفقه الأولويات و أن يخاطب الناس على قدر عقولهم بدلا من احداث هذا اللغط و هذه الهجمة الشرسة على الاسلام برمته تحت مسمى الردة الحضارية و الظلام الفكرى الذى كنا فى غنى عنه الآن
ان أول خطوات بناء الدولة الاسلامية هى اعادة بناء جسور الثقة بين عامة الشعب و بين من يحملون على عاتقهم هم الدعوة الى الله و عندها تتكون قاعدة عريضة من المجتمع تؤمن بفكرتك و تساعدك على نشرها و حين تنتشر الفكرة و تكون مقبولة من الشعب عندها سيلفظ الشعب نفسه كل ما هو خبيث و سيرتضى طوعا بشرع الله و سيتوق شوقا لجعل كتابه دستورا له يحتكم اليه فى كافة أموره الحياتية فيسعد و نسعد جميعا فى ظل دولة قوامها الحق و الحرية و العدالة
|
التعليقات
لا تعليقات ... كن أول من يعلق
إضافة تعليق جديد
.... التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة